الشيخ محمد هادي معرفة
21
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
العلماء على تعظيم شأن النظم وتفخيم قدره والتنويه بذكره ، وإجماعهم أن لافضل مع عدمه ، ولاقدر لكلام إذا هو لم يستقم له ، ولو بلغ في غرابة معناه ما بلغ . وأنّه القطب الذي عليه المدار ، والعمود الذي به الاستقلال ، فكان حريّا بأن توقظ له الهمم وتتحرّك له الأفكار وتستخدم فيه الخواطر . واعلم أن ليس النظم إلّا أن تضع كلامك الوضع الذي تقتضيه قواعد الأدب فتعمل على أصوله وتعرف مناهجه وتحفظ رسومه التي رسمها لك ، فلا تخلّ بشيء منها ولا تزيغ عنها . وذلك أنّا نعلم أنّ الذي يجب أن يبتغيه الناظم في كلام أن ينظر في وجوه كلّ باب وفروقه ، فينظر مثلًا في وجوه الخبر من نحو قولك : زيد منطلق . وينطلق . والمنطلق . وهو المنطلق . وينطلق زيد . ومنطلق زيد . . . وفي الشرط والجزاء : إن تخرج أخرج . وإن خرجت خرجت . وإن تخرج فأنا خارج . وأنا خارج إن خرجت . وإن خرجت خارج . وفي وجوه الحال : جاءني زيد مسرعا . وجاءني يسرع . وجاءني وهو مسرع أو وهو يسرع . وجاءني وقد أسرع . أو قد أسرع بلاواو . فيعرف لكلّ من ذلك موضعه ، ويأتي به حيث ينبغي له . وينظر في الحروف التي تشترك في معنى ، ثمّ ينفرد كلّ واحد منها بخصوصيتها . فيضع كلًاّ من ذلك في خاصّ معناه ، مثل أن يأتي ب - « ما » في نفي الحال . وب - « لا » لنفي الاستقبال . وب - « إن » الشرطية فيما يترجّح بين أن يكون وأن لا يكون . وب - « إذا » فيما علم أنّه كائن . وينظر في الجمل التي تسرد ، فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل ، ثمّ يعرف فيما حقّه الوصل موضع الواو من موضع الفاء ، وموضع الفاء من موضع « ثمّ » ، وموضع « أو » من موضع « أم » ، وموضع « لكن » من موضع « بل » . ويتصرّف في التعريف والتنكير والتقديم والتأخير في الكلام كلّه ، وفي الحذف والتكرار والإضمار والإظهار ، فيضع كلًاّ من ذلك مكانه ، ويصيب بكلّ موضعه ، ويستعمله على الصحّة وعلى ما ينبغي له . هذا هو سبيل النظم في الكلام ، فلا ترى كلاما قد وصف بصحّة نظم أو فساده ، أو